ابن العربي

1024

أحكام القرآن

والاستغفار لهم حسنة ؛ وفي هذا ردّ على القدرية ؛ لأنهم لا يرون الصلاة على العصاة ، ولا يجوز عندهم أن يغفر اللّه لهم ؛ فلم يصلّ عليهم ، وهذا ما لا جواب لهم عنه . الآية الثالثة والأربعون - قوله تعالى « 1 » : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . فيها خمس مسائل : المسألة الأولى - توبة اللّه على النبىّ ردّه من حالة الغفلة إلى حالة الذّكر ، وتوبة المهاجرين والأنصار رجوعهم من حالة المعصية إلى حالة الطاعة ، وانتقالهم من حالة الكسل إلى حالة النشاط ، وخروجهم عن صفة الإقامة والقعود إلى حالة السفر والجهاد . المسألة الثانية - وتوبة اللّه تكون على ثلاثة أقسام : دعاؤه إلى التوبة ، يقال : تاب اللّه على فلان ، أي دعاه ، ويقال : تاب اللّه عليه : يسّره للتوبة ، وقد يكون خبرا ، وقد يكون دعاء ، ويقال : تاب عليه : ثبّته عليها ، ويقال : تاب عليه : قبل توبته ؛ وذلك كلّه صحيح ، وقد جمع لهؤلاء ذلك كله ، ويفترق في سائر الناس ؛ فمنهم من يدعوه إلى التوبة لإقامة الحجة عليه ولا ييسّرها له ، ومنهم من يدعوه إليها وييسّرها ولا يديمها ، فإن دامت إلى الموت فهي مقبولة قطعا . المسألة الثالثة - قوله : فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ : يعنى جيش تبوك ؛ خرج الناس إليها في جهد وحرّ ورجلة « 2 » وعرى وحفاء ، حتى لقد روى في قوله « 3 » : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ « 4 » . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ : أنهم طلبوا نعالا . وفي الحديث : لا يزال الرجل راكبا ما انتعل . المسألة الرابعة - قوله : مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ ، فَرِيقٍ مِنْهُمْ : أما هذا فليس للنبىّ فيه مدخل باتفاق من الموحدين ، أما أنه قد قيل : إنه يدخل في التوبة

--> ( 1 ) آية 117 . ( 2 ) رجل - كفرح : إذا لم يكن له ظهر يركبه ، وجمعه رجلة . ( 3 ) آية 91 ( 4 ) آية 92